في نيسورا، مملكة تُنسج معالمها من الظلال، تكتشف إيليرا خيطًا أحمر غامضًا في النول الأكبر. ومع بدء الجسور والطرق في فقدان صلتها بأماكنها، تجد أصغر كاتبة للنول نفسها أمام سرّ أخفاه الحراس لأربعمائة عام. هل تستطيع إنقاذ المملكة قبل أن ينفرط نسيجها؟
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 12 دقيقة
0قراءة
اقرأ القصة
في أرض تقع في أقصى الشمال، خلف جبال كالادور التي لا تفارقها الغيوم، كانت هناك مملكة لا تظهر على أي خريطة.
اسمها نيسورا.
لم تكن الشمس تصل إليها.
فوقها قمر فضي ثابت، لا يكتمل ولا ينقص، ولا يغيب أبدًا. وكان نوره ينساب بين الأبراج والجسور والممرات، فيمنح كل شيء ظلًا طويلًا، حتى الأشياء التي لا يُفترض أن يكون لها ظل.
وكان أهل نيسورا يقولون إن المملكة لم تُبنَ بالحجارة، بل نُسجت.
في قلب القصر الملكي ارتفع "النول الأكبر"، آلة هائلة من الخشب الأسود والنحاس القديم، تمتد خيوطها من الأرض إلى السقف، ثم تتشعب عبر القصر، وتخرج منها خيوط أخرى إلى المدينة.
لم تكن الخيوط من حرير أو صوف.
كانت من الظلال.
وكان لكل شيء في نيسورا خيط في النول: لكل بيت، ولكل جسر، ولكل طريق، ولكل بوابة، وحتى للحدود التي تفصل المملكة عن العالم الخارجي.
أما ظلال البشر، فلم تكن هي النسيج نفسه، بل صلته بالناس. ولهذا كان لكل إنسان ظل، ولكل ظل موضع محفوظ في النول.
وكان نسّاجو الظلال يستطيعون تحريك الخيوط بأدواتهم، لكن كاتب النول وحده كان يستطيع لمس الخيط بظله مباشرة. كان ظله هو الوصلة التي تصل بين النول ومن يمسك به.
ولهذا كانت مهنة كاتب النول أخطر من مجرد نسج الظلال.
وكانت إيليرا أصغر من حملت هذا اللقب.
في تلك الليلة، وقفت إيليرا وحدها أمام النول الأكبر، تحمل مكوكًا فضيًا بين أصابعها. كانت مهمتها فحص الخيوط التي ظهرت حديثًا عند الحافة الشرقية للنسيج.
في أورفيوس، تأتي الفصول حين تُعزف موسيقاها. لكن عندما يتأخر الخريف، ثم يتسلل الشتاء إلى لحنه، يبدأ نير، عازف الناي الشاب، البحث في النوتات القديمة عن سرّ الاضطراب. ما الذي تغيّر في موسيقى يعرفها الجميع منذ قرون؟
شيماء الصاوي0قراءة
حرّكت المكوك فوق أحد الخيوط. استجاب الخيط لحركتها، وتحرك ظلها على الأرض في الاتجاه نفسه.
ابتسمت.
كان هذا هو أول شيء تعلمته حين أصبحت كاتبة للنول: أن تعرف متى يكون الخيط بين أصابعها، ومتى يكون الخيط داخل ظلها.
لكنها لم تصل إلى الحافة الشرقية، فقد رأت خيطًا لم تعرفه من قبل.
أحمر.
كان رفيعًا، أكثر لمعانًا من بقية الخيوط، ويتلوى بين الخيوط السوداء كأنه يحاول الوصول إلى مكان لا ينبغي له الوصول إليه.
لم تكن تعرف أن هذا الخيط لم يظهر من العدم؛ كان طرفًا من خيط قديم بدأ يتحرك من مكانه البعيد، عائدًا نحو النول بعد أربعمائة عام من الغياب.
مدت إيليرا يدها.
وفجأة توقفت.
كان فالين، قائد حراس الأنوال، يقف عند مدخل القاعة.
كان يرتدي درعًا داكنًا تتخلله خطوط فضية، وفي يده صولجان نحاسي قديم، ملتف حوله خيط أسود.
قال:
"لا تقتربي."
استدارت إيليرا.
"هذا الخيط لم يكن موجودًا بالأمس."
لم يقترب فالين.
ظل ينظر إلى الخيط الأحمر، ثم إلى الصولجان في يده، قبل أن يعيد عينيه إلى النول.
قال:
"أغلقي القاعة."
"لماذا؟"
تردد لحظة.
"لأن هذا النوع من الخيوط لم يظهر في النول منذ أربعمائة عام."
"هذا لا يجيب عن سؤالي."
رفع عينيه إليها.
"لأنني لا أستطيع أن أجيبك هنا."
نظرت إلى الخيط.
"هل هو خطير؟"
قال فالين:
"إذا كان ما أظنه صحيحًا، فالخطر ليس في الخيط نفسه."
وأشار إلى النسيج.
"الخطر في الفراغ الذي يحاول العودة منه."
لم تفهم إيليرا.
لكن فالين لم يشرح.
قال فقط:
"أغلقي القاعة."
وفي صباح اليوم التالي، ظهر أول أثر.
كان جسر إيلمار معلقًا بين جبلين منذ أكثر من ثلاثة قرون. لكن حين خرج سكان الحي الشرقي من بيوتهم، وجدوا الجسر أقصر مما كان.
ليس مكسورًا.
ليس منهارًا.
بل أقصر.
كانت نهايته تقف على بعد أمتار من الجبل المقابل، معلقة فوق فراغ لا يمكن عبوره.
لم يتغير الحجر. لم تنكسر السلاسل.
فقط... لم يعد الجسر يصل إلى المكان الذي كان يصل إليه.
وفي اليوم التالي، حدث الأمر نفسه لسور المدينة. ثم لطريق في الحي الجنوبي. ثم لدرج كان يقود إلى برج المراقبة.
كانت الأشياء لا تختفي.
كانت تفقد مكانها.
وكأن يدًا غير مرئية تفك الروابط التي تصل أجزاء المملكة ببعضها.
دخلت إيليرا قاعة النول في الليلة الثالثة.
كان الخيط الأحمر قد أصبح أكثر سمكًا.
اقتربت منه.
وجدت بجواره خيطًا أسود ينتهي في الفراغ.
قالت:
"هذا غير ممكن."
جاء صوت فالين من خلفها:
"ماذا وجدتِ؟"
أشارت إلى الخيط.
"انفصل."
اقترب.
حدق فيه.
"لا تلمسيه."
"لماذا؟"
"لأنك لا تعرفين إلى أين يقود."
"وهل تعرف أنت؟"
سكت.
قالت:
"فالين."
أجاب أخيرًا:
"إلى الخارج."
توقفت.
"خارج المملكة؟"
أومأ.
"النول لا ينسج داخل نيسورا فقط. إنه يثبت حدودها."
وأشار إلى الفراغ.
"لكن هذا ليس مجرد خيط من خيوط الحدود."
نظرت إيليرا إليه.
"إذن ما هو؟"
قال:
"شيء كان يجب أن يبقى في مكانه."
تذكرت كلماته في الليلة السابقة.
الخطر في الفراغ الذي يحاول العودة منه.
الآن بدأت تفهم أن شيئًا ما كان موجودًا هنا من قبل.
شيئًا لم يعد موجودًا.
في اليوم الرابع، ظهر المحّاء.
لم تره إيليرا قادمًا.
رأت أثره أولًا.
كانت تسير في أحد الأزقة حين لاحظت أن ظل نافذة على الجدار أصبح أطول من النافذة نفسها.
ثم تحرك.
تراجعت.
خرج من السواد شيء يشبه الإنسان.
جسد طويل مصنوع من خيوط ممزقة، بلا وجه ولا عينين، تتدلى من أطرافه خيوط سوداء رفيعة.
مد يده إلى الجدار.
وما إن لمسته حتى غابت نافذة كاملة عن الجدار.
لم تتحطم.
لم تسقط.
بل انفصلت عنه، كما ينفصل خيط من قطعة قماش.
ثم التفت الكائن إليها.
اندفع نحوها.
رفعت إيليرا المكوك الفضي أمامها.
توقف.
ولثانية واحدة، ظهرت خطوط حمراء داخل جسده.
خطوط تشبه الخيط الأحمر في النول.
ثم تراجع إلى الظلام.
وصل فالين بعد لحظات.
نظر إلى الجدار، ثم إلى إيليرا.
قال:
"المحّاءات."
"ما هم؟"
"الفراغات."
نظرت إليه.
"الفراغات؟"
أومأ.
"حين يُقطع خيط من النسيج، لا يختفي ما كان يربطه تمامًا. يبقى مكانه فراغ."
وأشار إلى الجدار.
"ومع الوقت، إذا لم يُنسج الفراغ من جديد، يبدأ في التحرك."
نظرت إيليرا إلى المكان الذي كانت فيه النافذة.
"وهذا ما رأيته؟"
"هذا الفراغ اكتسب شكلًا."
ثم نظر إلى الخيوط الحمراء التي ظهرت للحظة داخل جسد المحّاء.
"لكن ظهورها الآن يعني أن هناك فراغًا أقدم من كل ما رأيناه."
قالت إيليرا:
"الخيط الرابع."
رفع فالين عينيه إليها.
ولم يجب.
في تلك الليلة، أخذها فالين إلى أرشيف القصر.
فتح بابًا صدئًا خلف رف حجري. كانت السجلات داخله تعود إلى أربعمائة عام.
قال:
"كان يجب ألا أريك هذا."
نظرت إليه.
"قلتَ ذلك عن الخيط أيضًا."
لم يبتسم.
أخرج سجلًا جلديًا قديمًا ووضعه أمامها.
في صفحاته الأولى، ظهرت رسومات لنيسورا.
ثم وصلت إلى رسم للنول.
كان له أربعة خيوط حمراء.
رفعت رأسها.
"النول الحالي فيه ثلاثة."
"نعم."
"أين الرابع؟"
نظر فالين إلى صولجانه.
ثم قال:
"ليس في النول."
قلبت الصفحة.
وجدت جملة واحدة:
"حين يعجز النول عن حمل ما يجب أن يحمله، يبدأ العالم في الانفصال عنه."
قالت:
"ما الذي كان يحمله؟"
أجاب فالين:
"الفراغ."
حدقت فيه.
"الفراغ؟"
"كان الخيط الرابع يصل النول بالجزء الذي لم يستطيعوا تفسيره. لم يكن يغلقه، ولم يكن يمحوه. كان يعطيه مكانًا داخل النسيج."
قلبت إيليرا الصفحة.
"ولماذا قطعوه إذن؟"
صمت فالين.
ثم قال:
"لأنهم خافوا منه."
في الصفحة التالية، ظهر رسم لفتاة تقف أمام النول.
توقفت إيليرا.
كانت الفتاة تشبهها.
نفس العينين.
نفس شكل الوجه.
حتى العلامة الصغيرة قرب حاجبها كانت في المكان نفسه.
مدت إيليرا يدها نحو الرسم.
وفي اللحظة التي لمست فيها الورقة، تحرك ظل الفتاة المرسومة.
تراجعت إيليرا.
كان ظلها على الأرض قد تحرك هو الآخر.
نظر فالين إلى الاثنين.
قال بهدوء:
"هذه إيليرا الأولى."
"كاتبة النول؟"
"نعم."
"هل كانت من عائلتي؟"
أومأ.
"كانت جدتك البعيدة."
نظرت إيليرا إلى الرسم.
"ولماذا لم تخبرني؟"
"لأن الحراس أقسموا منذ أربعمائة عام ألا يكشفوا حقيقة الخيط الرابع إلا إذا بدأ النول نفسه في إظهاره."
"ولماذا؟"
"لأنهم اعتقدوا أن الخيط الرابع هو ما فتح الفراغ في الأصل."
أشارت إلى الرسم.
"لكنها كانت تحاول إصلاحه."
قال فالين:
"كانت الوحيدة التي لم توافق على قطعه."
قلبت إيليرا الصفحة.
كان هناك رسم للنول نفسه، وفي قلبه مساحة سوداء.
وتحت الرسم كلمات باهتة:
"لا يمكن تركه مكشوفًا."
ثم:
"ولا يمكن نسجه."
وتحتها، بخط مختلف:
"إذن لا تخفوه."
عرفت إيليرا الخط.
كان خط الفتاة في الرسم.
تابعت القراءة.
"اجعلوا النول يحمل الحقيقة بدلًا من أن يحمل الغطاء."
ثم انقطعت الكتابة.
قالت إيليرا:
"ماذا حدث لها؟"
خفض فالين عينيه.
"أمر الملك بقطع الخيط الرابع."
"وماذا حدث لإيليرا الأولى؟"
"حاولت منعه."
"ثم؟"
"لم تستطع."
ظل الصمت بينهما.
قالت إيليرا:
"وأنت تعرف كل هذا منذ البداية."
قال فالين:
"أعرف ما سمح الحراس لأنفسهم بمعرفته."
ثم أضاف:
"لكنني لم أعرف أن الخيط الرابع كان هو الحل."
نظرت إليه.
"وماذا كان في الصولجان؟"
رفع الصولجان.
كان الخيط الأسود الملتف حوله قد بدأ يهتز.
قال:
"بعد قطع الخيط، حاولت إيليرا الأولى أن تمنع النول من فقده تمامًا. نسجته داخل هذا الصولجان."
"لماذا؟"
"لأنها كانت تعرف أن الخيط لا يمكن تدميره."
نظر إلى الفراغ في الرسم.
"لكنها لم تستطع إعادته إلى النول."
وفجأة اهتز الأرشيف بعنف.
تساقط الغبار من السقف.
وسمعا صوتًا هائلًا من أعلى القصر.
ثم انطفأ جزء من الضوء الفضي.
قال فالين:
"لقد وجدوا الطريق."
حين وصلا إلى القاعة الكبرى، كانت المحّاءات قد وصلت إلى النول.
هذه المرة لم يكن واحدًا أو اثنين.
عشرات الأجساد السوداء كانت تتسلل بين الخيوط.
وكلما لمس أحدها خيطًا، انفصل شيء من المملكة.
برج فقد نافذة.
ساحة انفصلت عن الطريق المؤدي إليها.
باب خرج من مكانه وبقي معلقًا في الهواء.
لم يكن الخراب يحدث دفعة واحدة.
كان العالم يتفكك قطعة قطعة.
رفع فالين صولجانه.
دق طرفه بالأرض.
انتشر ضوء نحاسي على امتداد القاعة.
تراجعت المحّاءات.
لكن الخيط الأسود الملتف حول الصولجان بدأ ينفك.
صرخت إيليرا:
"إنه يتحرك!"
نظر فالين إلى يده.
تحت الخيط الأسود ظهر خيط أحمر.
الخيط نفسه الذي رأته في النول.
قالت:
"إنه الخيط الرابع."
أومأ.
"بدأ يعود."
نزعت إيليرا الخيط الأسود عن الصولجان.
ظهر الخيط الأحمر كاملًا، لكنه لم يخرج منه.
كان يمتد من الصولجان نحو النول، كأن شيئًا في داخله يشده إليه.
قالت:
"لم يكن الخيط قد اختفى."
"لا."
"كان ينتظر."
نظر فالين إلى الفراغ في قلب النول.
"أو كان النول ينتظره."
اقتربت إيليرا.
بدأت الخيوط كلها تتحرك.
ثم ظهر أمامها مشهد من الماضي.
لم ترَ أشباحًا.
رأت الحقيقة كما حدثت.
قبل أربعمائة عام، كانت إيليرا الأولى تقف أمام النول.
وكان حولها نسّاجو المملكة.
وفي قلب القاعة، كانت هناك مساحة سوداء لا يوجد فيها شيء.
قال أحدهم:
"لا يمكن تركه مكشوفًا."
قال آخر:
"ولا يمكن نسجه."
قالت إيليرا الأولى:
"إذن لا تخفوه."
التفت إليها الجميع.
"اجعلوا النول يحمل الحقيقة بدلًا من أن يحمل الغطاء."
لكن الملك رفض.
أمر بقطع الخيط الرابع.
انقطع الخيط.
وللحظة، ظن الجميع أن شيئًا لم يحدث.
ثم اتسعت المساحة السوداء.
خرج منها أول محّاء.
ثم آخر.
ثم عشرات.
لم تكن المحّاءات مخلوقات جاءت من مكان آخر.
كانت الفراغ نفسه وقد وجد شكلًا يتحرك به.
حاولت إيليرا الأولى إعادة الخيط.
لكن النول لم يعد قادرًا على الوصول إليه.
وقبل أن يتسع الفراغ أكثر، نسجت الخيط داخل الصولجان.
وتركت جملة واحدة:
"ما يُقطع من النسيج لا يموت. يبحث عن مكان يعود إليه."
انتهت الرؤية.
عادت إيليرا إلى القاعة.
كان فالين واقفًا أمامها.
قال:
"الآن تعرفين لماذا بدأ كل شيء."
نظرت إلى المحّاءات.
ثم إلى النول.
"لأنهم قطعوا الخيط."
"وأعطوا الفراغ أربعة قرون ليكبر."
نظرت إلى الخيط الرابع.
كان يتحرك بين أصابعها كأنه حي.
قالت:
"إذن المحّاءات ليست الخيوط."
"لا."
"إنها الفراغات التي خلّفها قطع الخيوط."
أومأ فالين.
"وحين يعود الخيط إلى مكانه، لا يبقى للفراغ سبب ليظل منفصلًا."
صرخ فالين:
"إيليرا!"
كان محّاء ضخم قد وصل إلى النول.
مد يده نحو الخيط الرابع.
صاح فالين:
"إذا وصل إليه، سيفتح الشق!"
التفتت إيليرا.
"أي شق؟"
أشار إلى المساحة السوداء في قلب النول.
"الفراغ الذي تركه الخيط الرابع. إذا اتصلت به المحّاءات، سيتسع حتى تنفصل نيسورا عن النسيج كله."
نظرت إلى النول.
ثم إلى الصولجان.
ثم إلى ظلها على الأرض.
فهمت.
الخيط الرابع يستطيع العودة.
لكن النول يحتاج إلى وصلة بينه وبين صاحب ظل.
وصلة لا يملكها إلا كاتب النول.
قال فالين:
"إذا أعطيتِ النول ظلك، فلن تعودي جزءًا من النسيج بالطريقة التي كنتِ عليها."
"ماذا يعني ذلك؟"
"لكل إنسان في نيسورا خيط يربطه بالنول من خلال ظله."
نظر إلى الأرض.
"إذا أخذ النول ظلك، فلن يبقى لك خيط شخصي."
قالت إيليرا:
"سأبقى حية؟"
"نعم."
"وسأظل أعيش في نيسورا؟"
"نعم."
"إذن ماذا سأفقد؟"
نظر إليها.
"المكان الذي يثبتك فيه النول."
نظرت إيليرا إلى الجسر البعيد، الذي بدأ يفقد آخر خيوطه.
ثم نظرت إلى النول.
وقالت:
"أنا أعرف أين أريد أن أبقى."
أدخلت الخيط الأحمر في النول.
اشتعلت الخيوط.
ثم توقفت.
لم يحدث شيء.
نظرت إيليرا إلى ظلها.
كان ما يزال عند قدميها.
قالت:
"إنه يحتاج إلى الوصلة."
مدت قدمها فوق ظلها.
ثم همست:
"خذ مكانك."
خرج ظلها من الأرض.
ارتفع كقطعة قماش سوداء في الهواء.
اندفع نحو النول.
التصق بالخيط الأحمر.
اهتز النول.
ظهر الخيط الرابع في موضعه القديم.
لكن هذه المرة لم يُغلق الفراغ.
بدأت خيوط سوداء وفضية وحمراء تنسج حوله.
توقفت المحّاءات.
واحدًا بعد آخر، بدأت أجسادها تنحل.
لم تختفِ.
تحولت إلى خيوط سوداء.
عادت إلى الأماكن التي خرجت منها.
نافذة.
جدار.
برج.
جسر.
بيت.
طريق.
كل خيط عاد إلى موضعه.
ثم هدأ النول.
نظرت إيليرا إلى الأرض.
لم يكن هناك ظل.
رفعت عينيها.
كان ظلها داخل النول.
لكنه لم يكن ساكنًا.
رفع يده.
فرفعت إيليرا يدها في اللحظة نفسها.
ثم خفضها.
خفض الظل يده أيضًا.
قالت:
"إنه ما زال لي."
قال فالين:
"لأنه جزء منك."
نظرت إليه.
"لكنه لم يعد معي."
أشار إلى النول.
"لم تعد أنت تحملين ظلك."
ثم نظر إلى الخيط الرابع.
"صار النول يحمل جزءًا منك."
ظلت إيليرا تنظر إلى ظلها.
لم تشعر أنها فقدته تمامًا.
لكنها عرفت أن علاقتها به لم تعد كما كانت.
وفي الوقت نفسه، حدث شيء آخر.
المساحة السوداء في قلب النول لم تُغلق.
بل بدأت تُنسج.
لم يعد النول يحاول إخفاء الفراغ.
كان يمنحه مكانًا.
خيطًا بعد خيط.
حتى صار الجزء الذي خاف منه أهل نيسورا لأربعمائة عام جزءًا من المملكة نفسها.
في الأيام التالية، عادت نيسورا إلى شكلها.
لم يعد النول يخفي الفراغ الموجود في قلبه، بل نسج حوله.
لم يعد الخيط الرابع حاجزًا.
صار جسرًا.
أما الصولجان، فعلقه فالين بجوار النول.
ظل الخيط الأحمر ظاهرًا عليه، تذكارًا لليوم الذي كاد فيه خوف قديم أن يمزق المملكة، ولليوم الذي اختار فيه أهلها أخيرًا أن ينسجوا ما أخفوه.
أما إيليرا، فبقيت كاتبة للأنوال.
كانت تستطيع العمل كالمعتاد، لكن ظلها لم يعد يتبع قدميها.
صار يعيش داخل النول.
وفي بعض الليالي، حين تكون القاعة فارغة، كان يتحرك بين الخيوط.
ليس لأنه يقودها، بل لأنه صار جزءًا منها.
وبعد عام، فتحت نيسورا أبوابها.
جاء المسافرون من خلف جبال كالادور للمرة الأولى.
رأوا القمر الثابت، والجسور المعلقة، والنسيج الأسود الذي يمر بين الأبراج.
وسأل أحدهم:
"لماذا تسمونها مملكة الظلال المنسوجة؟"
نظر أهل نيسورا إلى النول.
فلم تكن ظلال المملكة مجرد أشياء تتبع أصحابها، ولم يكن النول مجرد آلة تحفظها.
كان كل ما في نيسورا متصلًا بخيوط لا تُرى إلا حين تقترب من النول.
أما الظلال، فكانت الطريقة التي عرفت بها المملكة دائمًا أن كل شيء فيها مرتبط بشيء آخر.
نظرت إيليرا إلى الخيط الرابع.
ثم قالت:
"لأن كل ما نراه هنا متصل بخيط."
وضعت يدها على المكوك.
ونظرت إلى الفراغ الذي لم يعد مخفيًا.
ثم قالت:
"فما نجهله لا يختفي حين نمحوه؛ بل يبحث عن مكان يعود إليه، وربما كان أخطر ما نفعله لحماية عالمنا أن نقطعه عن النسيج بدل أن نعطيه مكانًا فيه."
يسافر سيل إلى كوكب أوران ليجمع أصواتًا تحتفظ بها الصخور منذ قرون، لكن نقرات غامضة تقوده إلى اكتشاف لم يكن يتوقعه. وبين الرمال الفضية وأصداء الحياة القديمة، يتتبّع طريقًا لا يُرى، بل يُسمع.