يسافر سيل إلى كوكب أوران ليجمع أصواتًا تحتفظ بها الصخور منذ قرون، لكن نقرات غامضة تقوده إلى اكتشاف لم يكن يتوقعه. وبين الرمال الفضية وأصداء الحياة القديمة، يتتبّع طريقًا لا يُرى، بل يُسمع.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 7 دقائق
0قراءة
اقرأ القصة
لم يكن سيل يجمع الأشياء التي يعثر عليها في رحلاته، بل كان يجمع ما لا يستطيع أحد أن يضعه في صندوق.
كان يجمع الأصوات.
صوت المطر حين يسقط على أوراق شجرة زرقاء في كوكب نائي، وصفير الرياح بين صخور جوفاء، وخطوات مخلوق لا يظهر إلا لثوانٍ قبل أن يختفي في الرمال، وحتى أصوات المدن التي لا يزورها إلا مرة واحدة.
وكان لكل صوت مكان في أرشيفه الصغير.
يسجل اسم الكوكب، وتاريخ التسجيل، ومكانه، ثم يحفظه بعناية.
لم يكن يعمل لدى أحد، ولم يكن جمع الأصوات مهمة يطلبها منه أحد. كان يفعل ذلك لأنه يؤمن بأن الصوت، مثل الصورة، يستطيع أن يحتفظ بشيء من المكان بعد أن يتغير كل شيء آخر.
ولهذا، عندما قرأ عن كوكب أوران، عرف أنه لا بد أن يزوره.
كان أوران كوكبًا واسعًا تغطي سطحه سهول من الرمال الفضية، وتنتشر فيها صخور طويلة تشبه الأعمدة. وكانت العواصف الرملية تضرب سطحه باستمرار، لذلك لم يبقَ من مدنه القديمة شيء فوق الأرض تقريبًا.
لكن أوران كان يخفي شيئًا آخر.
فبعض صخوره كانت تحتفظ بالاهتزازات التي تحدث حولها، ثم تعيدها بعد سنوات، وأحيانًا بعد قرون.
قرأ سيل عن هذه الظاهرة قبل رحلته، ودرس كذلك السجلات القليلة التي بقيت عن سكان أوران ونظامهم القديم لتحديد المواقع، حتى لا يدخل الكوكب دون أن يعرف ما الذي قد يصادفه.
وحين وصل، اختار أحد الأعمدة الحجرية، وثبت جهاز التسجيل أمامه، وانتظر.
مرت دقائق طويلة لم يسمع خلالها سوى الريح وهي تمر فوق الرمال.
في محطة للمفقودات تدور حول القمر، يعثر نوف على مفتاح أرضي قديم بلا اسم أو علامة تدل على صاحبه. يقوده فضوله إلى بعثة اختفت وإشارة غامضة بين الحطام. فهل يحمل هذا الشيء الصغير طريقًا إلى شخص ما زال ينتظر؟
شيماء الصاوي0قراءة
ثم سمع شيئًا.
خطوات.
فتح سيل عينيه.
لم تكن خطوات مخلوق يمر أمامه؛ كانت أقدم من ذلك بكثير.
تكررت الخطوات في التسجيل، ثم تبعتها أصوات أخرى: باب يُفتح، أوعية تتحرك، أصوات كائنات تتحدث بلغة لم يعرفها، ثم ضحكة قصيرة لطفل.
ابتسم سيل.
كان هذا بالضبط ما جاء من أجله.
لكنه قبل أن ينهي التسجيل، التقط الجهاز صوتًا آخر.
ثلاث نقرات.
تبعها صمت طويل.
ثم نقرتان.
ثم أربع.
رفع سيل الجهاز، وأعاد المقطع.
تكررت النقرات بالترتيب نفسه.
لم تكن جزءًا من أصوات المدينة القديمة، وكانت أحدث منها بكثير.
جلس سيل على الرمال، وفتح ملاحظاته عن أوران.
قارن الإيقاع بما قرأه قبل الرحلة.
ثم توقف.
كان هذا النمط قريبًا من طريقة قديمة استخدمها سكان أوران لتحديد المواقع، لكن النمط وحده لم يكن كافيًا لمعرفة المكان.
كان يحتاج إلى بقية الإشارة.
حمل سيل جهازه، وبدأ يتتبع الأعمدة المنتشرة في السهل.
عند العمود التالي، وجد نقرة واحدة، ثم صمت.
وعند الثالث، وجد نقرتين، ثم صوتًا قصيرًا من الجهة اليمنى.
أما العمود الذي يليه، فكان يحمل ثلاث نقرات يتبعها صوت من الجهة اليسرى.
توقف سيل.
أعاد التسجيل أكثر من مرة، ثم أدرك أن الأمر لم يكن مجرد عدد من النقرات.
كانت كل إشارة تعطيه خطوة في الطريق:
نقرة واحدة: إلى الأمام.
نقرتان: إلى اليمين.
ثلاث نقرات: إلى اليسار.
ثم صمت.
كان عليه أن يتبع التعليمات بالتسلسل، حتى تقوده الإشارة التالية إلى العمود الذي يحمل الجزء الجديد.
أخرج ملاحظاته، وبدأ يسجل الاتجاهات واحدًا تلو الآخر.
ومع كل عمود، كان يحصل على خطوة جديدة.
شيئًا فشيئًا، ظهر أمامه مسار.
لم تكن النقرات مجرد أصوات محفوظة.
لقد استخدم سكان أوران أعمدتهم كعلامات صوتية؛ كل عمود يحمل جزءًا من الاتجاه، ولا يمكن فهم الرسالة كاملة إلا بجمعها بالترتيب.
اتبع سيل المسار.
عبر واديًا ضيقًا، ثم صعد بين صخور مرتفعة، حتى وصل إلى منطقة خالية تمامًا من الأعمدة.
توقف.
كانت الإشارة قد انتهت.
نظر حوله.
لا شيء سوى الرمال وجدار صخري طويل.
شغّل آخر تسجيل مرة أخرى.
هذه المرة لم يسمع نقرات.
سمع صوتًا منخفضًا، يشبه احتكاك معدن قديم.
اقترب من الجدار.
ثبت جهازه عليه، ثم سجل الصوت مرة أخرى.
ظهرت على الشاشة قراءة مختلفة.
كان الصدى يعود إليه متأخرًا، وكأن خلف الجدار مساحة فارغة.
طرق سيل على الصخر.
جاءه الصدى من الداخل.
طرق مرة أخرى في مكان أبعد قليلًا.
عاد الصدى أضعف.
ابتسم.
كان خلف الجدار فراغ.
أخذ يبحث عن موضع الصوت الأقوى، حتى وجد بين الصخور شقًا ضيقًا أخفته الرمال.
أزاح طبقة الرمل بيديه، فظهر طرف باب حجري.
نظف سطحه.
ظهرت عليه الدوائر المتداخلة نفسها التي قرأ عنها في سجلات أوران.
أدار سيل جهازه، ومرره أمام الباب.
التقط اهتزازًا خافتًا.
ثم ضغط على موضع محدد في إحدى الدوائر.
انفتح الباب ببطء.
دخل.
كان الممر ضيقًا في بدايته، ثم اتسع شيئًا فشيئًا.
وعلى جانبيه انتصبت عشرات الأعمدة الحجرية الصغيرة.
كلما مر بجانب أحدها، خرج منه صوت قصير.
ضحكة.
وقع أقدام.
ماء يتدفق.
آلة موسيقية.
صوت سوق مزدحم.
توقف سيل.
هذه المرة لم يكن يسمع أصواتًا محفوظة في صخور طبيعية.
كانت الأعمدة مصنوعة بعناية لحفظ الأصوات.
لقد بنى سكان أوران أرشيفهم بأنفسهم.
تابع السير.
انتهى الممر فجأة، وانفتح أمامه مشهد لم يتوقع أن يراه.
مدينة كاملة تحت الأرض.
مبانٍ دائرية، ساحات واسعة، جسور تصل بين الأبنية، ونوافذ ما زالت تحمل آثار ألوانها القديمة.
وكان واضحًا لماذا اختار سكان أوران أن يبنوا مدينتهم هنا.
فوق السقف الصخري، كانت طبقات الرمال المتراكمة تحمل آثار العواصف التي ضربت سطح الكوكب لقرون.
أما المدينة، فبقيت في الأسفل.
هادئة.
محفوظة.
وخالية.
لم يرَ سيل كائنًا واحدًا.
لكنه لم يشعر أن المكان ميت.
كانت الأصوات لا تزال تتردد حوله.
دخل الساحة الرئيسية.
وفي وسطها ارتفع بناء أكبر من بقية الأبنية، وفوق بابه الرمز نفسه الذي وجده على المدخل.
دخل.
كانت القاعة فارغة إلا من منصة حجرية في المنتصف.
اقترب سيل منها.
وجد في سطحها تجويفًا صغيرًا يشبه المكان المخصص لجهاز تسجيل.
أخرج جهازه ووضعه فيه.
أضاءت خطوط رفيعة على سطح المنصة.
انتشر ضوء دائري أمامه.
ثم خرج صوت.
كان واضحًا وهادئًا، بلغة أوران القديمة.
بدأ الجهاز يترجم.
إذا كنت تسمع هذا، فقد وجدت مدينتنا.
ثبت سيل في مكانه.
استمر الصوت:
كنا نعرف أن العواصف ستغطي طرقنا، وأن المدينة ستختفي يومًا تحت الرمال. لذلك لم نترك كنوزًا، ولم نترك تاريخًا على الجدران.
تغير التسجيل.
امتلأت القاعة بأصوات السوق القديمة، وتداخلت بينها أصوات الحياة اليومية.
ثم موسيقى بعيدة.
عاد الصوت:
تركنا أيامنا.
استمع سيل.
جاء صوت طفل يركض، ثم ضحكة قصيرة.
هذه الأشياء كانت عادية بالنسبة إلينا. ولهذا ظننا أنها لا تستحق أن تُحفظ.
سكت التسجيل لحظة.
ثم عاد الصوت:
لكننا عرفنا متأخرين أن الأشياء العادية هي أول ما يختفي عندما يختفي أصحابها.
نظر سيل إلى الأعمدة المحيطة به.
فهم الآن سبب وجودها.
لم تكن مجرد أرشيف.
كانت ذاكرة مدينة كاملة.
لكن التسجيل لم ينتهِ.
ظهر على المنصة ضوء آخر.
وتغيرت الأصوات.
هذه المرة لم يسمع سيل أصواتًا قديمة.
سمع أصواتًا متقطعة، متتابعة، كأن عشرات الأجهزة تعمل في أماكن مختلفة.
ثم ظهرت على الجدار أمامه خطوط من الضوء.
خطوط كثيرة.
تشكلت أمامه خريطة للمدينة.
ثم امتدت الخريطة إلى خارجها.
إلى سطح أوران.
ثم إلى السماء.
تبع سيل الخطوط بعينيه.
كانت تشير إلى مسار طويل يغادر الكوكب.
عاد الصوت القديم:
لم نغادر لأن مدينتنا انتهت.
توقفت الخريطة عند نقطة بعيدة.
غادرنا لأننا وجدنا مكانًا يمكن أن تستمر فيه مدينتنا.
اتسعت عينا سيل.
فقد كان يظن أن سكان أوران اختفوا.
لكنهم لم يختفوا.
لقد رحلوا.
تابع الصوت:
لم نعرف إن كان أحد سيجد هذه المدينة بعد رحيلنا. ولم نرد أن يجدها أحد فيظن أننا ضِعنا هنا.
ظهرت على الجدار صورة لنقطة مضيئة في الفضاء.
لذلك تركنا الطريق.
تجمعت التسجيلات التي التقطها سيل منذ دخوله المدينة في مقطع واحد.
ثم ظهرت النقرات التي قادته إلى هنا.
وفهم سيل.
لم تكن الأصوات دليلًا على مدينة اختفت.
كانت هي نفسها جزءًا من الطريق الذي تركه أهل أوران لمن يأتي بعدها.
استمر التسجيل:
إذا وصلت إلى هنا، فلا تأخذ من مدينتنا شيئًا.
سكت الصوت.
ثم أضاف:
إن أردت أن تعرف أين ذهبنا، استمع.
انطفأت الخريطة.
وبدأت أصوات جديدة تتتابع.
صوت سفينة.
صوت أبواب تغلق.
أصوات كثيرة تتداخل.
ثم صوت انطلاق هائل.
وبعده...
صمت.
فتح سيل عينيه.
لم يكن هناك اسم للكوكب الجديد.
ولا إحداثيات كاملة.
فهم لماذا.
كان أهل أوران قد تركوا الطريق، لا الوجهة.
أما من يصل إليهم يومًا، فعليه أن يكمل البحث بنفسه.
جلس سيل في وسط القاعة.
ثم نظر إلى جهاز التسجيل في يده.
كان أمامه الآن شيء لم يكن يتوقع أن يجده عندما جاء إلى أوران.
لم يجد مدينة منسية.
وجد مدينة تركت وراءها أثرًا يكفي ليقول:
نحن كنا هنا.
ولم نختفِ.
بدأ يسجل من جديد.
لكن هذه المرة، لم يسجل أصوات المدينة فقط.
سجل صوته.
صوت خطواته في الساحة.
صوت يده وهي تمر فوق أحد الأعمدة.
صوت الجهاز حين بدأ التسجيل.
ثم وقف أمام المنصة، وقال:
اسمي سيل. وجدت مدينتكم.
توقف لحظة.
ثم ابتسم.
وسأحفظ أصواتكم.
حفظ التسجيل.
وعندما خرج من القاعة، لم يأخذ حجرًا.
ولا قطعة من آلة.
ولا شيئًا من المدينة.
عاد إلى مركبته، وحين ارتفعت فوق الرمال الفضية، كانت وحدة التخزين الصغيرة إلى جواره.
وبعد أسابيع، فتح سيل أرشيفه وسجل ملفًا جديدًا.
كتب:
أوران.
ثم أضاف:
مدينة غادرت... وتركت الطريق خلفها.
وحين شغّل الملف، خرجت أولًا أصوات المدينة التي حفظها.
ثم جاء صوته:
اسمي سيل. وجدت مدينتكم.
ظل التسجيل يعمل.
وفي مكان ما، خلف آلاف النجوم، كان هناك طريق لم يكتمل بعد.
طريق بدأ بأصوات مدينة قديمة، وما زال ينتظر من يواصل البحث.
تنطلق ليان في مغامرة غامضة بعد عثورها على خريطة قديمة تركها جدها، تقودها إلى أعماق الجبال بحثًا عن باب أزرق يخفي سرًا ظل مدفونًا لسنوات. وبين ثعلب أبيض غامض، وكهف مضيء، ورسائل من الماضي، تكتشف ليان أن الكنز الذي تبحث عنه قد يكون أقرب إليها مما تخيلت، وأن بعض الأسرار تحمل مسؤولية أكبر من مجرد اكتشافها.
مظلة قديمة بتمنح ندى قدرة غريبة على رؤية ذكريات الناس، فتكتشف خلف تصرفاتهم حكايات من الألم والحب والخوف. لكن فضولها بيضعها أمام سؤال صعب: هل فهم الآخرين يديها الحق في كشف أسرارهم؟ حكاية إنسانية بلمسة خيالية عن التعاطف، وخصوصية الذكريات، والاستماع من غير أحكام.