ثوب لا يناسب مقاس صاحبه
ثوب لا يناسب مقاس صاحبه
حينها أدركت سلمى أن الثوب لم يكن ضيقًا على جسدها فقط، بل كان لا يشبه حياتها ولا قيمها ولا ما تحتاجه حقًا. قصة عن ضغط المظاهر، والخوف من أحكام الآخرين، والثمن الذي ندفعه أحيانًا لنرضي عيونًا لا تنظر إلينا أصلًا.

كان صوت المِقَصّ وهو يقطع البطاقة السعرية المعلقة بالفستان يشبه صوت شفرة حادة تحز في خافقها. تطايرت الورقة المقوّاة الصغيرة لتقع على الخشب اللامع لطاولة الزينة، واستقرت الأرقام المطبوعة عليها في الأعلى كأنها إعلان هزيمة: رقمٌ يلتهم نصف الدخل الشهري للبيت، اقتُطع بلا رحمة من ميزانية شهرين قادمين.
تأملت سلمى الثوب المعلق على باب الخزانة. كان من التل والحرير الأسود، الموشى بخرز فضي دقيق يلمع تحت ضوء المصباح الدافئ. كان ساحراً في المعرض، فاخراً بامتياز، ومصمماً ليلفت الأبصار في القاعة الكبرى التي ستقام فيها حفل خطوبة ابنة عمها.
لكن، بمجرد أن أزاحت قماشه بأصابعها المرتجفة، شعرت برطوبة غريبة في كفيها.
وقف زوجها توفيق عند باب الغرفة، متكئاً على الإطار الخشبي. كان يراقب صمتها بملامح هادئة يخفي خلفها عتباً شفيفاً: أخيراً أزلتِ البطاقة يا سلمى؟
كانت حريصة ألا تلتقي عيناها بعينيه، وانحنت تلمس طرف الثوب بخجل مكتوم وقالت: كان لا بد من ذلك يا توفيق. الحفل في أحد أكبر الفنادق، وجميع قريباتنا سيفحصن كل قطعة ترتديها المدعوات. أنت تعرفهن، ينظرن إلى الأمر كأنه تقييم لقيمة الواحدة منا وسعادة بيتها، ولا أستطيع أن أظهر أقل منهن أو أكون موضع سخرية خفية.
اقترب توفيق خطوتين، ووضع يديه على كتفيها المترددتين، وقال بصوت خفيض رصين: وهل تُقاس قيمتك بقطعة قماش يا سلمى؟ هذا الثوب كلفنا ما كنا ندخره لدهان شقة الأطفال، وكلفنا راحة بالنا لشهرين قادمين. أتتخلين عن راحتك وقناعاتك لأجل نظرات الآخرين؟
عقدت حاجبيها، وتحدثت بنبرة حادة تحاول بها إقناع نفسها قبل إقناعه: هذه ليست مجرد قطعة قماش، هذه درع يمنع عيناً قريبة أو همسة شامتة. التراجع أمام هذه المظاهر مكلف جداً يا توفيق، والجميع ينصحني بالمرونة وألا أظهر بمظهر المحتاجة بينهن.
تنهد توفيق بأسى خفيف وقال: المسايرة سهلة يا زوجتي، لكن الخوف ألا ترتاحي داخل هذا الدرع. سيجعلك الفستان رائعة المظهر، ولكن كيف ستتعاملين به؟ كيف ستسيرين بذلك الحذاء الضيق؟ هل سيسمح لك هذا القماش بأن تجلسي وتتحركي براحة، أم ستجبرين على الوقوف كتمثال العرض؟
كلماته أوجعتها، لكنها تجاهلته وقالت: اقترب الموعد وسأجهز.
في مساء الحفل، كانت القاعة الكبرى تنضح ببريق زائف. ثريات الكريستال تتدلى من السقف المرتفع لتلقي أضواءها الذهبية على أجساد تتبارى في استعراض الأناقة، وكانت روائح العطور الثمينة تتصاعد وتختلط بأصوات الضحكات العالية والموسيقى الصاخبة.
ارتدت سلمى الثوب الأسود. كانت الحشوات الداخلية والكورسيه المشدود يعصران خصرها وقفصها الصدري بصلابة. كل خطوة تخطوها بحذائها العالي كانت تحسبها بدقة، وكل حركة لذراعيها كانت محكومة بقسوة القماش الخشن من الداخل. كانت تسير بظهر مشدود أكثر من اللازم، ورأس مرفوع، لكن حركتها كانت متيبسة، وتنفسها كان ضيقاً ومكتوماً.
جلست على إحدى الطاولات المحيطة بالممشى الرئيسي. كانت نظراتها تتنقل بوجل بين الحاضرات، تفتش في وجوه أبناء عمومتها وقريباتها، وتتوقع أن تجد عيوناً متفحصة ترصد خطأها أو همسات تقيم ثوبها الثمين.
لكن العجب أن أحداً لم يكن يلتفت إليها بشكل خاص!
كانت قريبتها الأولى مشغولة بالتقاط صور متلاحقة بهاتفها الذكي، والأخرى تتجادل مع زوجها بصوت خفيض حول موعد المغادرة، وثالثة تشتكي للحاضرات من آلام ظهرها بسبب حذائها الضيق. الجميع كان مستغرقاً في صراعه الخاص مع مظهر يرهقه، ولم يكن أحد يملك الفراغ الكافي ليفحص ثوب سلمى أو يقدّر القيمة المادية التي دُفعت فيه.
في تلك اللحظة، دخلت القاعة فريدة، إحدى قريباتهن البعيدات التي غابت سنوات خارج البلاد.
أحدث حضور فريدة موجة خفيفة من الارتياح والبهجة في القاعة. لم تكن ترتدي ثوباً مبالغاً فيه، بل كان فستاناً بسيطاً من الكريب الكحلي، خالياً من الخرز والبريق، يسقط بنعومة وأناقة حول جسدها. كانت تتحرك بخفة، وتبتسم بصدق للجميع، وتنبعث منها هالة من الثقة جعلت الجميع يلتفون حول طاولتها للتحدث إليها.
اقتربت سلمى من طاولة فريدة لتسلم عليها، وبعد حوار دافئ بينهما، لم تستطع سلمى أن تكتم إعجابها بنعومة فستان فريدة ورقي حضورها، فهمست لها: فستانك راق ومريح للغاية يا فريدة، يظهر وكأنه صُمم لك خصيصاً في أحد دور الأزياء الكبرى.
ضحكت فريدة بعفوية وصدق، واقتربت من أذن سلمى لتهمس لها ببساطة: هل تصدقين يا سلمى؟ هذا الفستان استعرته من شقيقتي الصغرى قبل ساعة واحدة فقط من الحفل! لم يكن لدي وقت للتسوق، ولا المال الكافي لشراء قطعة أرتديها لليلة واحدة ثم ألقيها في الخزانة. الأهم أنني استطعت أن آكل وأتحرك وأضحك معكم دون أن يعصرني قماش ضيق!
ساد صمت خاطف في عقل سلمى.
نظرت إلى فريدة، ثم نظرت إلى انعكاس صورتهما في إحدى المرايا الممتدة على جدار القاعة. رأت فريدة متهللة الوجه، مسترخية الكتفين، ورأت نفسها واقفة كتمثال شمعي يحبس أنفاسه ويتألم من قسوة الحذاء وثقل الخرز الفضي الذي يضغط على كتفيها.
في تلك اللحظة بالذات، أدركت سلمى الحقيقة العارية التي كانت تهرب منها: دُفعت ميزانية البيت وصُفّيت راحتهما لشهور قادمة فقط لتبهر عيوناً لا تشاهد سوى نفسها.
عادت سلمى وزوجها إلى الشقة في وقت متأخر من الليل.
ساد الهدوء أرجاء البيت. أضاءت مصباح الغرفة الخافت، ووقفت أمام المرآة. لم تنتظر أن يساعدها توفيق، بل سحبت السحاب الخلفي للفستان بسرعة وشغف، كأنها تفك أغلالاً تحيط بعنقها.
سقط الثوب الأسود الفاخر على الأرض، كومة ثقيلة من التل والخرز البارد.
تنفست بعمق، زفيراً طويلاً ومتواصلاً ملأ رئتيها بالهواء لأول مرة منذ ساعات. ارتدت ثوبها القطني القديم المريح، الثوب الذي يشبه بيتها ورائحة الأمان في حياتها.
جاء توفيق ووقف عند باب الغرفة، يراقبها وهي تطوي الفستان الأسود ببرود وتضعه في أعلى رف بالخزانة، بعيداً عن الأعين.
التفتت إليه، وابتسمت ابتسامة خفيفة صادقة، خالية من أي توتر، وقالت بصوت هادئ: لقد كان ثوباً جميلاً يا توفيق، لكنه لم يكن يناسبني.
اقترب توفيق وابتسم باطمئنان: لم يكن يناسب مقاسك؟
فنظرت إلى الخزانة المغلقة وهزت رأسها نفياً: بل لم يكن يناسبني أنا
كلمات مفتاحية
© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.
قصص قد تعجبك

سَلِّفها للي بعدك
أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلا إلى مساعدة صغيرة في اللحظة المناسبة لتتغير حياته كلها. لكن أجمل ما في الخير أنه لا يتوقف عند من تلقّاه؛ فقد ينتقل من شخص إلى آخر، حتى يعود يومًا إلى صاحبه من طريق لم يتوقعه.

البقشيش
قصة إنسانية عن بقشيشٍ كبير لم يكن مجرد مال، بل بداية لسلسلة من الخير. يكتشف سامح أن أحيانًا أجمل ما يمكن أن تفعله لا يكون من أجل المال، ولا من أجل أن يراك أحد، بل لأن هناك شخصًا يحتاج إلى يدٍ تمتد إليه في الوقت المناسب.

مطبخ على السطح
بعد وفاة زوجها، وجدت أم يوسف نفسها مسؤولة عن ثلاثة أطفال بلا دخل ثابت. لكنها لم تستسلم، وبدأت من مطبخ بيتها بطبخ وجبات بسيطة لجيرانها. ومع الصبر والعمل، تحوّلت بدايتها الصغيرة إلى مشروع ناجح. قصة ملهمة عن الإرادة، والعمل، وصناعة الفرصة من أبسط الإمكانات.