غرورُ المِلْكِ - قِصّةُ صَاحِبِ الجَنَّتَيْن
غرورُ المِلْكِ - قِصّةُ صَاحِبِ الجَنَّتَيْن
قصة صاحب الجنتين كما وردت في سورة الكهف، تحكي عن رجلٍ أغرته كثرة المال والثمار، فظن أن نعمته لن تزول، ونسي فضل الله عليه. وبينما ذكّره صاحبه المؤمن بحقيقة الدنيا وقدرة الله، جاء أمر الله فهلكت الجنتان، ليتعلم أن المال والملك لا يدومان، وأن النعمة فضلٌ من الله تستوجب الشكر لا الغرور.

دخل بستانه مزهوًا بالثراء ومؤمنًا بالخلود، ولم يعلم أنَّ الهلاك الذي سيحيل جنته رمادًا.. كان أقرب إليه مما يظن!
كان لرجلٍ جنتان ظنّ بهما الخلد، لم تكونا أرضًا عادية؛ بل كانتا بستانين عظيمي الروعة من أعناب، تُحيط بهما أشجار النخيل الباسقة، ويتوسطهما الزرع، وأجرى الله بينهما نهرًا يتدفق بالماء.
وكانت كل واحدة منهما تؤتي أُكُلَها وثمرها كاملًا، لا ينقص منه شيء بفضل الله الذي أسبغ عليه هذه البركة، لكن النعمة التي كانت أمام عينيه في كل وقت بدلاً من أن يراها فضلًا ويشكر خالقه على هبته، رآها دليلًا على تفوقه الشخصي وعظمته، ونسب الفضل لنفسه لا لربّه.
وهل يُترك الجاحد بنعم ربه والغافل عن حقيقتها دون صاحبٍ ينصحه أو إشاراتٍ تُنبئه بعظم جُرم ما يفعل؟
كان له صاحبٌ مؤمن يحاوره، فقال له بنبرة استعلاء:
— «أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا!»
لم يكتفِ بأن يفتخر بما يملك، بل دخل جنته وهو ظالم لنفسه بجهله وغروره، ينظر إليها وكأنها شيء خالٍ من الفناء، وقال بثقة زائفة:
— «ما أظن أن تبيد هذه أبدًا!»
وكأن ما يراه أمامه اليوم حتمية ستستمر للأبد. ثم تمادى به الوهم حتى أنكر البعث، فقال:
— «وما أظن الساعة قائمة، ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرًا منها منقلبًا!»
كان صاحبه المؤمن أقل مالًا وأضعف جاهًا، لكنه كان أعمق بصيرة وأشد يقينًا. نظر إليه والأسى يخالط صوته وقال:
— «أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلًا؟! لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدًا!»
ثم سريعًا، بحرصٍ عليه وإدراكٍ لما سيلاقيه من عذاب شديد إن لم يتوبَ ويرجع، دله على العلاج وذكّره بما كان ينبغي أن يقوله فور دخوله:
— «ولولا إذ دخلت جنتك قلت: ما شاء الله لا قوة إلا بالله! إن ترَنِ أنا أقل منك مالًا ولدًا، فعسى ربي أن تؤتين خيرًا من جنتك، ويرسل عليها حسبانًا من السماء فتُصبِحَ صعيدًا زلقًا، أو يصبح ماؤها غورًا فلن تستطيع له طلبًا!»
لم يكن ينكر عليه تمتعَه بالنعمة، بل كان يذكّره بمن أعطاه إياها؛ فالمال لم يصنع نفسه، والجنتان لم تزرعا نفسيهما، والماء لم يجرِ فيهما بإرادته.
ومضى الحوار، وعاد المغرور يملؤه الاطمئنان الزائف، ظانًا أن تحذير صاحبه كلمات لا معنى لها.. حتى جاء أمر الله، وأُحيط بثمره وتحقق ما حذّره منه صاحبه؛ فغار الماء في أعماق الأرض وهلكت الجنتان، هلك ما ظن أنهما خالدان، وعندما خرج يتفقد مملكته، لم يجد إلا الدمار والخراب.
وقف يقلب كفيه ندامة وحسرة على كل ما أنفق فيها من عمر ومال، وهي خاوية على عروشها، وصوته يخرج مخنوقًا بالدموع:
— «يا ليتني لم أشرك بربي أحدًا!»
وحينها، لم ينفعه ماله، ولم تجد عنه عشيرته شيئًا، ولم يستطع أن يستعيد شجرة واحدة مما فقد.
كان يملك جنتين، ثم ظن أنه يملك ضمان بقائهما، وكان يرى النعمة، لكنه نسي صاحب النعمة.. حتى جاءت اللحظة التي فهم فيها الفرق بين أن تقول: «هذا لي»، وأن تعرف: «هذا من الله».
المصادر(١)
- القرآن الكريم — سورة الكهف (الآيات 32 – 44).
كلمات مفتاحية
© جميع الحقوق محفوظة. يحظر نسخ أو إعادة إنتاج أو نشر أو توزيع أو اقتباس أو استغلال هذه المادة، كليًا أو جزئيًا، بأي وسيلة أو شكل، دون الحصول على إذن كتابي مسبق من صاحب حقوق النشر. وأي تشابه بين الشخصيات أو الأحداث أو الأماكن الواردة في هذه القصة وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة، ولا يُقصد به الإشارة إلى أي شخص أو واقعة بعينها.
قصص قد تعجبك

حين لا يبقى لك إلا اليقين - قصة سيدنا موسى عليه السلام
حين حاصر البحر موسى عليه السلام وقومه من أمامهم، وفرعون وجنوده من خلفهم، ظنّ بنو إسرائيل أن لا مخرج لهم. لكن موسى لم يرَ نهاية الطريق، بل رأى معية الله ووعده. قصة مؤثرة عن اليقين بالله حين تغيب الحلول، وعن الثقة التي تسبق ظهور الفرج.

مائة قتيل.. وباب التوبة لم يُغلق
قصة مؤثرة عن رجلٍ قتل مائة نفس، ثم عاد يبحث عن طريق التوبة والنجاة. فهل تُغلق رحمة الله أبوابها أمام من صدق في توبته؟ قصة تذكّرنا بأن باب التوبة مفتوح، وأن صدق الرجوع إلى الله قد يغيّر المصير.

أصحاب الأخدود
حين يصبح التراجع عن الحق أسهل من مواجهته، يجد عمر في قصة أصحاب الأخدود درسًا عن الثبات والشجاعة وحفظ الضمير.