في محطة قديمة لا تظهر على الخرائط، يستقل مسافر غامض قطار الحادية عشرة حاملًا حقيبة مليئة بالرسائل والمواعيد المؤجلة. وبينما يعبر القطار الفصول الأربعة في ليلة واحدة، يبدأ المسافر رحلة هادئة لمواجهة الأيام التي مضت والأشياء التي ظل يحملها طويلًا. حكاية شاعرية عن الزمن، والقبول، والتخفف مما لم يعد بالإمكان تغييره.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 4 دقائق
4قراءة
اقرأ القصة
في محطة قديمة لا تظهر على الخرائط الرقمية، تحيط بها جدران حجرية غطتها شجيرات العليق البري، كان هناك رصيف خالٍ إلا من مصباح نحاسي خافت. وفي تمام الساعة الحادية عشرة ليلًا، حين تهدأ البلدة ويخفت آخر ضوء في نوافذها، يصل القطار.
لم يكن له صوت صاخب؛ مجرد صفير خافت يمتزج برائحة الصنوبر والمطر.
ظهر محرك عتيق من بين الضباب، تتبعه عربات خشبية مطلية بالأخضر الداكن. انزلق القطار على السكة الحديدية ببطء، ثم توقف أمام الرصيف من دون استعجال.
صعد المسافر الدرجات الخشبية الثلاث.
كان يحمل في يده اليمنى حقيبة جلدية صغيرة، بنية اللون، تآكلت حوافها قليلًا من أثر السفر. لم تكن ثقيلة، لكنه كان يمسك بقبضتها بحرص شديد، كمن يحمل فيها شيئًا ظل يفكر فيه طوال اليوم.
كانت العربة دافئة.
تنبعث منها رائحة شمع العسل والخشب القديم والميرمية المجففة. جلس المسافر على أريكة عريضة مغطاة بالمخمل الكحلي، ووضع الحقيبة على المقعد المقابل له.
كان بإمكانه وضعها على الأرض، أو تحت الطاولة حيث يوجد رف خشبي فارغ، لكنه أبقاها أمامه.
ظل ينظر إليها لحظات.
ثم التفت نحو النافذة، فرأى انعكاس وجهه على الزجاج الصافي.
تحرك القطار.
ببطء... وبالإيقاع نفسه الذي سيظل يسير به طوال الليل.
تراك... تراك... تراك...
مر عامل القطار في الممر. كان رجلًا مسنًا يرتدي معطفًا كحليًا وقبعة صغيرة تتزين بحافة ذهبية. لم يسأل المسافر عن تذكرته، ولم يطلب منه شيئًا.
تستيقظ قرية كنانة لتجد أن أهلها نسوا أسماء بعضهم، بينما بقيت الوجوه والحكايات مألوفة. يلجؤون إلى صاحب دكان قديم يحتفظ بدفتر يربط الأسماء بتفاصيل أصحابها، لكن صفحة غامضة وعودة امرأة غابت خمسة وعشرين عامًا تفتحان بابًا إلى ماضيه. قصة واقعية سحرية عن الذاكرة والغياب، وما يجعلنا نحتفظ بمكانٍ في حياة الآخرين.
شيماء الصاوي
اكتفى بوضع كوب من الشاي الساخن بالهيل على الطاولة الصغيرة بجوار النافذة، ثم عدّل زاوية المصباح الجداري حتى صار ضوؤه أكثر دفئًا.
رفع المسافر عينيه إلى ساعته.
ثم أعاد النظر إلى النافذة.
كان القطار قد تحرك، ومع ذلك ظل وجهه يحمل شيئًا من الترقب.
لاحظ العامل ذلك، فنظر إلى ساعته هو الآخر، ثم إلى المسافر.
وقال بصوت خافت، لم يعلُ على هسيس المطر:
— لا تقلق... القطار لا يتأخر أبدًا.
واصل العامل سيره.
وعاد الهدوء إلى العربة.
لم يكن هناك سوى صوت العجلات وهي تتابع طريقها فوق القضبان.
تراك... تراك... تراك...
خلف النافذة، بدأت أوراق الخريف تتساقط من الأشجار الشاهقة.
كانت ذهبية وحمراء، تهبط ببطء، وبعضها يلامس الزجاج للحظات قبل أن تحمله الريح بعيدًا.
رفع المسافر كوب الشاي إلى شفتيه، ثم أعاده إلى الطاولة.
نظر إلى الأوراق المتساقطة.
ثم إلى الحقيبة.
كان يعرف ما بداخلها.
أوراق كثيرة؛ رسائل قديمة لم تجد طريقها إلى صناديق البريد، ودفتر مواعيد امتلأت صفحاته بمواعيد مؤجلة، ودفاتر صغيرة احتفظت بأيام لم تعد موجودة.
أشياء كان يظن، كلما وضعها في الحقيبة، أنه سيجد لها مكانًا في يوم آخر.
لكن الأيام كانت تمضي.
وهو كان يحملها معه.
دخل القطار نفقًا حجريًا طويلًا.
اختفى ضوء الخريف.
حل الظلام حول العربة، وبقي مصباح صغير يرسل دائرة من الضوء الدافئ فوق المقعد. تصاعد بخار الشاي أمام النافذة، ثم تلاشى ببطء.
ظل المسافر صامتًا.
وحين خرج القطار من النفق، كانت الجبال قد اكتست بالبياض.
تساقط الثلج بهدوء تحت سماء ملبدة بالغيوم، حتى بدت الأشجار كأنها ارتدت أثوابًا بيضاء.
تجمعت ندف صغيرة على الزجاج الخارجي، ثم ذابت وتركت وراءها قطرات أخذت تنساب في خطوط رفيعة.
في المقعد المجاور كان هناك معطف صوفي قديم تركه مسافر آخر.
لم يرفعه أحد.
ظل هناك بهدوء، كما لو أن أحدًا سيعود إليه في الوقت المناسب.
شعر المسافر بالنعاس.
مد يده إلى الغطاء الداكن المنسوج عند طرف الأريكة، وسحبه فوق كتفيه.
كان الدفء في العربة ثابتًا.
والبرد، مهما اقترب من النوافذ، بقي في الخارج.
واصل القطار طريقه فوق جسر خشبي طويل.
تحت الجسر، كان وادٍ أبيض يمتد ساكنًا بين الجبال.
ثم، شيئًا فشيئًا، بدأ الثلج يذوب.
ظهرت خيوط الماء بين الصخور.
واخضرّت الأرض.
وحين عبر القطار آخر سفوح الشتاء، امتدت الحقول الخضراء حتى الأفق، تتخللها أزهار صغيرة من البروق والياسمين البري.
كانت الشمس تميل إلى الغروب، فتترك على أطراف السحاب شريطًا برتقاليًا هادئًا.
تسللت من فتحة التهوية رائحة تراب مبتل وزهر الليمون.
وفي العربة المجاورة، ارتفعت ضحكة خفيفة بعيدة، ثم اختفت.
بقي صوت الماء وحده، ينساب بمحاذاة السكة.
فتح المسافر عينيه.
مد يده إلى الحقيبة.
أدار القفل النحاسي.
فتحها.
ظل ينظر إلى ما بداخلها طويلًا.
لم يخرج رسالة.
لم يقرأ موعدًا.
لم يفتح دفترًا.
فقط حرّك الأوراق بأطراف أصابعه، كما لو أنه يرتب شيئًا لم يعد بحاجة إلى ترتيبه.
ثم أغلق الحقيبة.
وأعاد القفل إلى مكانه.
ظل ممسكًا بها لحظة، قبل أن يرفعها ويضعها على الرف الخشبي السفلي، تحت الطاولة.
عاد إلى مقعده.
رفع عينيه إلى المكان الذي كانت تشغله الحقيبة.
كان المقعد فارغًا.
هذه المرة، تركه فارغًا.
واصل القطار سيره.
تراك... تراك... تراك...
ومع آخر خيط من ضوء الغروب، جاء الصيف.
حل الليل فوق الحقول.
كانت السماء صافية وعميقة، تتناثر فيها النجوم كأنها نقاط ضوء بعيدة لا تحتاج إلى الاقتراب كي تُرى. مر النسيم الدافئ بين الأشجار، ودخل من شق صغير في النافذة، فحرّك طرف الستارة برفق.
مر عامل القطار من جديد.
كان يحمل مصباحًا صغيرًا في يده.
توقف عند نهاية العربة، وخفّض إضاءة المصباح النحاسي حتى لم يبقَ منه إلا توهج أصفر خافت.
نظر إلى المسافر.
ثم إلى الحقيبة الموضوعة تحت الطاولة.
لم يقل شيئًا هذه المرة.
واصل طريقه.
أغمض المسافر عينيه.
كان رأسه مستندًا إلى الوسادة، وجسده قد استسلم لدفء العربة.
في الخارج، كانت الأشجار والحقول والنجوم تمر ببطء خلف النافذة.
وفي الداخل، لم يعد هناك ما يحتاج إلى إنجازه.
لا رسالة يجب إرسالها الليلة.
لا موعد يجب اللحاق به.
لا يوم قديم يحتاج إلى أن يعود.
فقط الطريق.
وصوت العجلات.
تراك... تراك... تراك...
وعندما أطفأ عامل القطار المصباح الأخير في الممر، غمرت العربة عتمة ناعمة.
ظل ضوء النجوم ينساب على الزجاج.
وظل القطار يمضي في طريقه، هادئًا وثابتًا، بين الحقول النائمة.
وكأن القطار يعرف الطريق...حتى حين لا يعرف المسافر إلى أين يذهب.
كل ليلة، يتسلل حارس غامض إلى الأحلام ليوقظ أصحابها قبل أن ينسوا طريق العودة إلى الواقع. لكن ضوءًا غير مألوف يقوده إلى مدينة يعيش أهلها كل ما تمنّوه، وهناك يجد الشخص الذي لم يستطع يومًا وداعه. قصة فانتازيا إنسانية عن الفقد والحنين، وصعوبة الاستيقاظ من حلم يمنحنا ما سلبته الحياة.
في زاوية مقهى، يعثر يونس السيد على دفتر قديم تحمل صفحاته أسماء غرباء ولحظات ستغيّر حياتهم. وحين يجد اسمه، يتحول فضوله إلى مواجهة مع سر أخفاه عن زوجته عشر سنوات. قصة غموض نفسي عن ثقل الصمت، والخوف من الاعتراف، واللحظة التي يصبح فيها الهروب أصعب من قول الحقيقة.