بعد خمسة عشر عامًا من العزلة في الغابة، يفقد ماندو لغته وذكرياته وحتى اسمه، إلى أن تعود أخته مانشين لتساعده على استعادة إنسانيته. معًا، يخوضان رحلة محفوفة بالمخاطر بحثًا عن الأهل واستردادًا لأرض قومهما، ويكتشفان أن القوة وحدها لا تكفي للعودة إلى البيت. حكاية من روايات الإيماكان عن الأخوّة والهوية، وعن الصبر الذي يعيد وصل ما قطعته سنوات الفراق.
بواسطة شيماء الصاويوقت القراءة 5 دقائق
0قراءة
حين سمعت مانشين الصوت بين الأشجار، توقفت. لم يكن صوت إنسان، بل عواءً خشنًا خرج من بين الأشجار، تبعه حفيف سريع كأن شيئًا يركض فوق الأرض ولا يلمسها إلا لحظات. رفعت مانشين رأسها وأصغت، ثم رأته واقفًا على أربع، جسده نحيلًا، وشعره طويلًا متشابكًا، وعيناه لا تثقان بشيء. وحين لمحها، زمجر.
لم تتراجع، وقالت بهدوء:
— ماندو.
تجمد للحظة. لم يعرف الاسم، وكأنه يسمعه للمرة الأولى. كررت مانشين:
— ماندو.
اندفع نحوها فجأة، فتراجعت خطوة، لكنها لم تهرب. ظلت تنظر إليه، وكأنها تبحث خلف هذا الجسد الوحشي عن طفل تعرفه منذ زمن بعيد.
قالت:
— أنا مانشين.
كان الاسم غريبًا عليه. فقد عاش سنوات طويلة بعيدًا عن البشر، حتى أصبحت الغابة عالمه الوحيد.
بعد أن افترق الشقيقان، نشأ ماندو وحيدًا بين الأشجار. تعلّم أن يصطاد، وأن يعرف أماكن الماء، وأن يختبئ حين يقترب الخطر. ومع مرور السنوات، بدأت الكلمات تختفي من ذاكرته. نسي أسماء الأشياء، ونسي كيف يتحدث، ثم نسي اسمه نفسه.
أما مانشين، فقد نشأت بعيدًا عنه تحت رعاية قوى روحية، وبعد خمسة عشر عامًا عادت وقد أصبحت دِدو، امرأة ذات قدرات روحية تستطيع أن تستعين بها لمساعدة أخيها. لكنها لم تحاول أن تنتزع ماندو من الغابة بالقوة، بل بدأت تقترب منه شيئًا فشيئًا.
في اليوم الأول، وضعت الطعام أمامه وابتعدت. ظل يراقبها طويلًا، ثم اقترب، خطف الطعام، وفرّ. وفي اليوم التالي عادت وجلست على مسافة منه دون أن تمد يدها أو تحاول الاقتراب. تكرر الأمر أيامًا، حتى بدأ ماندو يتوقف عن الهرب كلما رآها.
في أرض بوسونغورا بأوغندا، ارتبط اسم كوغيري بالحكمة وازدهار الأرض. وحين يقع الملك في مأزق يعجز رجاله عن حلّه، تبدأ رحلتها في البحث عن المعرفة والاستعانة بخبرة الآخرين. حكاية عن أميرة صنعت مكانتها بالعمل وحسن التدبير، وأدركت أن الحكمة تبدأ أحيانًا بسؤال.
شيماء الصاوي
كانت مانشين تعرف أن الوحش الذي أمامها لم يولد وحشًا؛ كان هناك طفل ما يزال مختبئًا في مكان ما. لذلك بدأت تناديه باسمه.
— ماندو.
رفع رأسه.
— ماندو.
اقترب خطوة، ثم خطوة أخرى.
ومع الأيام، بدأت الكلمات تعود إليه ببطء. كانت تشير إلى الماء وتقول اسمه، ثم تشير إلى النار، وإلى الشجرة، وإلى القوس. كان يكرر خلفها بصعوبة، ثم يغضب من نفسه حين يعجز عن النطق، وأحيانًا كان يهرب إلى الغابة، لكن مانشين كانت تنتظره.
حتى جاء صباح جلس فيه أمامها طويلًا، ثم قال:
— ماء.
ابتسمت مانشين. وبعد صمت طويل، قال:
— مانشين.
كانت تلك أول مرة ينطق فيها اسمها منذ خمسة عشر عامًا.
بعدها بدأت الذكريات تعود على هيئة ومضات؛ وجه امرأة، وصوت رجل، وبيت، ونار، ويد صغيرة تمسك بيده، ثم صرخة. وبينما كان يحاول جمع الصور المتناثرة، أخبرته مانشين بالحقيقة. كانا شقيقين، وكان والداهما قد فُقدا، واستولى الأعداء على أرض قومهما.
صمت ماندو طويلًا. ثم نظر إلى يديه. لم يعد يرى فيهما مخالب الوحش الذي عاش به، بل رأى يدي الصبي الذي خرج يومًا من قريته ولم يعد.
نهض، وصنع قوسه.
قالت مانشين:
— سنعود.
فبدأ الطريق.
لم يكن الطريق إلى أرضهما قصيرًا. مرّا بين الغابات، وعَبَرا مجاري المياه، حتى ظهرت أمامهما أولى القلاع التي يسيطر عليها الأعداء. لم ينتظر ماندو طويلًا، وانطلق نحوها. استقبله المقاتلون بالسهام، فاختفى بين الأشجار قبل أن تصل إليه، ثم ظهر من مكان آخر وأطلق سهمًا. سقط أحد المقاتلين، لكن الباقين اندفعوا نحوه.
تراجع ماندو، ثم عاد. كان يعرف كيف تقاتل الغابة؛ لا يظل في مكان واحد، يظهر لحظة ثم يختفي، يسمع وقع القدم قبل أن يرى صاحبها، ويقرأ أثره على التراب. لكن عددهم كان كبيرًا، وكادوا يحيطون به.
في تلك اللحظة تدخلت مانشين بقوتها الروحية. تغيرت حركة القتال، وتراجع بعض الرجال، واستطاع ماندو أن يشق طريقه بينهم حتى سقط الحصن.
لكن الطريق لم ينتهِ.
في الحصن التالي، لم يكن كل من فيه مستعدًا لمحاربته. تحدثت مانشين مع من قابلوهما، وتدخلت إحدى الدِدو، فتحولت المواجهة إلى تحالف. لم يكن كل عدو عدوًا إلى النهاية، وبدأ ماندو يجد في طريقه رجالًا يمكن أن يقفوا إلى جواره بدلًا من أن يقفوا ضده.
ثم وصلا إلى امرأة عجوز. نظرت إليهما طويلًا، وحين عرفت إلى أين يتجهان، قالت:
— لا تذهبا.
سألها ماندو:
— لماذا؟
قالت:
— لأن الذين ينتظرونكما هناك ليسوا كغيرهم.
وصفت لهما المقاتلين الذين يحرسون الحصن الأخير، وحذرتهما من قوتهم. استمع ماندو في صمت، ثم شد على قوسه وقال:
— سأذهب.
لم تجادله العجوز. أعطتهما ما تستطيع من عون، ثم تركتهما يكملان الطريق.
حين ظهرت القلعة الأخيرة، كان الليل قد بدأ ينزل. كانت الأسوار عالية، والمقاتلون ينتشرون حولها. أطلق ماندو سهمه الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، لكن هذه المرة لم يتراجع خصومه. خرجوا إليه، واصطدمت الأسلحة.
تراجع ماندو خطوة، ثم تقدم خطوتين. حاول أحدهم إسقاطه، فابتعد عنه في اللحظة الأخيرة، واستدار وأطلق سهمًا. كان القتال طويلًا، وكلما ظن أن الطريق انفتح أمامه، ظهر مقاتل آخر.
وكانت مانشين في الجهة الأخرى من المعركة، تستخدم قوتها الروحية لتسانده وتواجه القوى التي تحرس القلعة. لم تكن تقاتل بدلًا منه، لكنها كانت تفتح له الطريق.
وحين أوشك أحد خصومه على السقوط، تدخلت إحدى الدِدو ومنعت ماندو من قتله. توقف لحظة، ونظر إليها، ثم إلى الرجل أمامه. كانت تلك اللحظة مختلفة عن كل ما سبقها؛ فلم يكن كل انتصار يحتاج إلى جثة.
وبعد المواجهة، انكسر الحاجز الذي فصل الطرفين، وتحول بعض من كانوا يقاتلونه إلى حلفاء.
واصل ماندو طريقه حتى وصل إلى المكان الذي كانت فيه أمه. وحين رآها، توقف. لم يعرفها في اللحظة الأولى؛ كانت السنوات قد تركت أثرها على وجهها، لكنها عرفته.
قالت:
— ماندو.
ظل واقفًا للحظة، ثم اقترب منها ببطء. وعندما مدت يدها إليه، انحنى أمامها.
في تلك اللحظة لم يعد الصبي الذي ضاع في الغابة، ولم يعد الوحش الذي نسي الكلام. كان ماندو من جديد.
عاد مع مانشين إلى أرض قومهما، ومعهما من وقفوا إلى جانبهما. كانت القرية قد تغيرت، لكن النهر ما زال في مكانه، والأرض التي عرفها طفلًا لم تنسَ أسماء أهلها.
بدأوا إعادة بناء ما تهدم، بيتًا بعد بيت. ومع الوقت، أصبح ماندو قائدًا لأهله، لا لأنه كان الأقوى بينهم فحسب، بل لأنه عرف كيف يعيش وحده، وكيف يعود إلى البشر، وكيف يجد في طريقه من يمد له يد العون.
أما مانشين، فبقيت إلى جواره؛ الأخت التي خرجت تبحث عن أخيها، فعادت به من أعماق الغابة.
وهكذا حفظ رواة الإيماكان حكايتهما: حكاية أخٍ فقد أهله، وفقد لغته، وفقد حتى اسمه، ثم وجد طريقه إلى البيت من جديد.
حين كانت قصص العالم حبيسة السماء، قرر العنكبوت أنانسي أن يشتريها من نيامي، إله السماء. لكن الثمن كان أربعة مخلوقات يصعب الإمساك بها. بعقله وحيله، يخوض أنانسي مغامرة تتحدى القوة والغرور، في حكاية من تراث شعب الآكان في غانا عن الدهاء والشغف بالقصص.
وعاء خشبي يخفي وجه فتاة، ووصية غامضة من أمها تغيّر مجرى حياتها. بعد أن تُطرد من بيتها، تواجه القسوة والسخرية متمسكة بقلبها الطيب، حتى تلتقي بمن يرى فيها ما عجز الآخرون عن رؤيته. حكاية من التراث الياباني عن الصبر والحب والجمال الذي يتجاوز المظاهر.