تحب ليلى الجلوس تحت أقدم شجرة في الحديقة، فهي الوحيدة التي تتوقف لتستمع إلى حفيف أوراقها والأصوات الصغيرة من حولها. وفي أثناء لعبها مع أصدقائها، تسمع همسًا غامضًا يخرج من جذع الشجرة.
تبدأ بينهما صداقة سرية، وتكتشف ليلى أن تحت العشب عالمًا خفيًا من الجذور والماء والكائنات الصغيرة. وعندما يهدد الجفاف الحديقة، يصبح عليها أن تستمع جيدًا وتحشد أصدقاءها لإنقاذ النباتات قبل فوات الأوان.
بواسطة شيماء الصاوىوقت القراءة 6 دقائق
1قراءة
في أحد أطراف حديقة الأزهار، حيث تتناثر الأزهار الملونة بين العشب الأخضر، وتتحرك الفراشات من زهرة إلى أخرى، كانت تقف شجرة تختلف عن كل الأشجار من حولها.
كانت أكبرها حجمًا، وأقدمها عمرًا، وقد امتدت أغصانها فوق مساحة واسعة من الحديقة، حتى صار لها ظل كبير يجتمع تحته الأطفال في الأيام المشمسة.
كان جذعها عريضًا وخشنًا، وظهرت على لحائها خطوط كثيرة تركتها السنوات، بينما كانت جذورها تخرج قليلًا من الأرض، ثم تختفي تحتها من جديد.
لكن ليلى كانت تحبها أكثر من الجميع، لسبب لم يعرفه أحد. كانت تجلس تحتها كثيرًا، لا لتلعب فقط، بل لأنها كانت تحب الأصوات الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد؛ حفيف الأوراق، وحركة النمل بين العشب، وصوت الريح حين تمر بين الأغصان.
فهي وحدها كانت تسمع همسها.
في أحد الأيام، كانت ليلى وأصدقاؤها يلعبون الغميضة في الحديقة. وحين جاء دورها لتختبئ، ركضت حتى وصلت إلى الشجرة القديمة، ثم اختبأت خلف جذعها العريض. ضمت ذراعيها إلى صدرها، وجلست القرفصاء حتى لا يراها أصدقاؤها. كانت تضحك بصمت، وتكتم أنفاسها كلما اقترب أحدهم.
وكعادتها، أغمضت عينيها للحظات وأصغت إلى ما حولها. سمعت حفيف الأوراق، ورفرفة أجنحة فراشة قريبة، وخطوات أصدقائها فوق العشب.
ثم...سمعت صوتًا خافتًا بجوار أذنها:
— لا تتحركي... سيجدونكِ.
تجمدت ليلى في مكانها. رفعت رأسها ببطء ونظرت يمينًا ويسارًا، لكن لم يكن هناك أحد.
تتمنى السلحفاة الصغيرة «غيمة» أن تطير مثل الطيور، فتطلب من الخفاش العجوز «عمشوش» أن يصنع لها أجنحة ملونة. لكن عندما تواجه خطرًا حقيقيًا في السماء، تكتشف أن ما كانت تظنه عبئًا ثقيلًا فوق ظهرها هو في الحقيقة مصدر قوتها وأمانها.
شيماء الصاوي
اقتربت منه بحذر، ووضعت كفها عليه.
— من أنت؟
ساد الصمت لحظة.
ثم جاءها الصوت من الجذع نفسه:
— أنا التي تختبئين خلفها.
اتسعت عينا ليلى وابتعدت خطوة.
— الشجرة؟
— نعم.
نظرت ليلى حولها مرة أخرى. كان أصدقاؤها لا يزالون يبحثون عنها في الجهة الأخرى من الحديقة. خفضت صوتها وقالت:
— لكن... الأشجار لا تتحدث!
جاءها همس الشجرة:
— ربما لم تستمعي إليها من قبل.
بقيت ليلى صامتة، ثم اقتربت خطوة.
— ولماذا أستطيع سماعك أنا؟
ساد الصمت لحظة، ثم قالت الشجرة:
— لأنكِ كنتِ الوحيدة التي توقفت لتسمعي.
ازدادت حيرة ليلى.
— أليس الجميع يسمعون؟
أجابت الشجرة:
— الجميع يسمعون أصواتًا كثيرة، يا ليلى، لكن قليلين ينتبهون إليها.
وضعت ليلى أذنها على الجذع، فلم تسمع شيئًا. رفعتها بسرعة وقالت:
— كيف تتحدثين إذن؟
جاءها صوت الشجرة هادئًا:
— هذا سر بيني وبينكِ.
ظلت ليلى تحدق في الجذع لحظات، لا تعرف هل تخاف أم تفرح.
وفجأة سمعت صوت أحد أصدقائها من بعيد:
— وجدتها!
رفعت ليلى رأسها. كان أصدقاؤها يركضون نحوها وهم يضحكون.
قالت الشجرة بسرعة:
— اذهبي الآن، وسأنتظركِ غدًا.
وقفت ليلى، ونظرت إليها طويلًا، ثم ركضت نحو أصدقائها.
قضت بقية اليوم وهي تلعب معهم، لكنها لم تستطع أن تنسى الصوت الذي خرج من جذع الشجرة. وكلما اقتربت منها، نظرت إليها في صمت.
وحين عاد الجميع إلى بيوتهم، ظلت ليلى تفكر في سؤال واحد:
كيف يمكن لشجرة أن تتحدث؟
ومنذ ذلك اليوم، بدأت ليلى تعود إلى الشجرة كلما استطاعت.
كانت تجلس تحتها وتسألها عن الحديقة، فتخبرها بأشياء غريبة. كانت تعرف أن حفرة صغيرة ظهرت قرب السور، وتعرف أن نملة فقدت طريقها إلى عشها، وتعرف أن الأرض في مكان بعيد أصبحت أكثر جفافًا.
لكن أكثر ما أثار فضول ليلى كان شيئًا واحدًا.
كلما سألتها:
— كيف تعرفين كل هذا؟
كانت الشجرة تجيب:
— لأن جذوري تسمع ما لا تسمعينه.
ومع مرور الأيام، بدأت ليلى تلاحظ شيئًا. لم تكن الشجرة تخبرها بما يحدث فوق الأرض، بل كانت تعرف الأشياء قبل أن تراها ليلى.
ذات صباح، قالت لها:
— اذهبي إلى الزهرة الصفراء قرب السور.
ركضت ليلى إليها، فوجدت زهرتها منحنية على الأرض، وساقها مكسورة.
وفي يوم آخر، همست لها الشجرة:
— ابحثي عن النملة الصغيرة قرب الحوض.
وجدتها ليلى عالقة بين حجرين، فأزاحتهما عنها.
لكن في صباح يوم حار، لم تقل الشجرة شيئًا.
جلست ليلى تحتها وانتظرت.
— هل أنتِ بخير؟
لم تجب.
وضعت ليلى أذنها على جذعها.
جاءها صوت خافت جدًا:
— الماء...
رفعت رأسها.
— ماذا قلتِ؟
— الماء قليل.
نظرت ليلى إلى الحديقة. كانت الشمس قوية، والأرض بدأت تفقد لونها.
مر يوم، ثم يوم آخر.
لم تمطر السماء.
اصفر العشب، وبدأت الأزهار تذبل واحدة تلو الأخرى.
وفي صباح اليوم الثالث، ركضت ليلى نحو الشجرة وهي تحمل إبريقًا صغيرًا. كانت تريد أن تسقيها، لكنها توقفت عندما سمعت الهمس:
— ليس أنا.
توقفت ليلى.
— ماذا؟
— هناك شجرة تحتاجه أكثر.
أشارت الشجرة بأحد أغصانها نحو الطرف الآخر من الحديقة. كانت هناك شجرة كبيرة قرب السور، وقد تدلت أوراقها حتى كادت تلامس الأرض.
ركضت ليلى إليها، ولمست تربتها.
كانت جافة.
نظرت حولها، ثم ركضت إلى صديقيها.
— تعالوا معي بسرعة!
قادتهما إلى الشجرة، وأشارت إلى أوراقها الذابلة والتربة الجافة حولها.
قال أحدهما:
— لازم نسقيها.
هزت ليلى رأسها.
— مش هي بس. الشجرة قالت إن الماء قليل.
نظر الأطفال إلى الحديقة. كانت الأزهار أيضًا قد بدأت تذبل، والعشب فقد خضرته.
قالت ليلى:
— لازم نجيب البستاني.
ركضت مع صديقيها إلى المكان الذي اعتاد البستاني أن يعمل فيه، وأخبروه بما رأوه.
جاء معهم إلى الشجرة، وانحنى ليفحص التربة.
— فعلًا الأرض جافة جدًا. الجو الحار خلّى النباتات محتاجة للماء أكثر من المعتاد.
ثم عاد إلى مخزن الأدوات وأحضر خرطوم الماء.
لكن ليلى لم تنتظر.
ذهبت إلى الأطفال الآخرين، وطلبت منهم أن يساعدوا في ملء الأوعية الصغيرة وسقي الأزهار القريبة، بينما بدأ البستاني يسقي الأشجار الكبيرة.
تحرك الأطفال في أنحاء الحديقة.
كان أحدهم يحمل دلوًا، وآخر يملأ الأوعية، وليلى تمر من زهرة إلى أخرى، تتأكد أن الماء وصل إلى التربة.
وبعد قليل، لم تعد الحديقة ساكنة كما كانت.
كان صوت الماء يمتزج بأصوات الأطفال وخطواتهم فوق العشب.
وحين انتهوا، جلست ليلى تحت الشجرة القديمة تلتقط أنفاسها.
— كيف عرفتِ أنها تحتاج الماء؟
صمتت الشجرة قليلًا، ثم قالت:
— اسمعي.
وضعت ليلى أذنها على جذعها.
تك...رفعت رأسها.
— ماذا كان هذا؟
— اسمعي مرة أخرى.
تك... تك...هذه المرة جاء الصوت من أسفل قدميها.
نظرت ليلى إلى الأرض.
— إنه هنا!
جلست على ركبتيها، ووضعت أذنها على التراب.
كان هناك شيء يتحرك في العمق. لم يكن صوتًا واحدًا، بل أصواتًا صغيرة متداخلة تأتي من أماكن مختلفة. أصغت ليلى إليها، وحاولت أن تتبع مصدرها حتى وصلت إلى الشجرة الجافة.
كلما أبعدت قليلًا من التراب، ظهرت جذور أكثر، تتفرع في اتجاهات مختلفة، بعضها يقترب من جذور أخرى، وبعضها يمتد بعيدًا تحت الحديقة.
حدقت ليلى في الشبكة الممتدة أمامها.
وأدركت أن الجذور لم تكن موجودة تحت الشجرة وحدها، كانت تمتد في كل مكان.
وضعت ليلى يدها على التراب، وتخيلت ما لا تستطيع عيناها رؤيته؛ جذورًا تتفرع تحت العشب، وتبحث بين حبيبات التربة عن الماء، وتحيط بها حشرات صغيرة تتحرك في الظلام.
جاءها صوت الشجرة القديمة:
— الآن عرفتِ لماذا أسمع.
رفعت ليلى رأسها.
— جذوركِ هي التي تسمع؟
— نعم. جذوري تمتد إلى أماكن بعيدة، وتشعر بما يحدث تحت الأرض.
نظرت ليلى إلى الشجرة الجافة، ثم إلى الأرض من حولها.
لم تعد الحديقة تبدو كما كانت.
لم تعد الأرض مجرد أرض.
فوقها كانت الأشجار والأزهار والفراشات.
وتحتها كان هناك عالم آخر لا تراه العيون؛ عالم من الجذور والماء والحشرات، عالم يتحرك في صمت.
وفي اليوم التالي، هطلت الأمطار.
خرجت ليلى إلى الحديقة وهي تضحك. امتلأت الأرض بالماء، وارتفعت رائحة التراب الرطب، وانحنت الأزهار تحت قطرات المطر.
بعد أيام قليلة، عادت الأوراق الخضراء إلى الشجرة التي كادت تجف، ذهبت ليلى إلى الشجرة القديمة، ووضعت أذنها على جذعها.
هذه المرة لم تسألها شيئًا، فقد سمعت الهمس قبل أن تتكلم:
— هل تسمعين؟
ابتسمت ليلى.
— نعم.
تك... تك... تك...كان الصوت يأتي من بعيد، ومن مكان أبعد منه جاء صوت آخر، ثم آخر.
جلست ليلى تحت الشجرة، وأسندت ظهرها إلى جذعها. وفوقها كانت الأغصان تتحرك مع الهواء، وتحتها، في الظلام، كانت الجذور تمتد إلى أماكن لا تستطيع عيناها الوصول إليها.
ومنذ ذلك اليوم، كلما جلست ليلى تحت الشجرة، لم تكن تسمع همسها وحده.
في صندوق المفقودات بالمدرسة، يجد زياد رسالة غامضة تقوده إلى اكتشاف سر زميله ياسين، الذي كان يختبر بطريقة مؤلمة إن كان أحد سيسأل عنه. قصة إنسانية عن الوحدة، والصداقة، وأثر كلمة بسيطة قد تجعل شخصًا يشعر للمرة الأولى أنه ينتمي إلى مكان.
تتمنى السلحفاة سوسو أن تطير مثل العصافير، فتحصل على فرصة لتحقيق حلمها بطريقة غير متوقعة. لكن مغامرتها في السماء تعلمها أن تستمع إلى النصيحة، وألا تتباهى، وأن تحب ما يميزها بدلًا من أن تتمنى أن تكون مثل غيرها.